25 سبتمبر 2026 | 14 ربيع الثاني 1448
A+ A- A
خطبة الجمعة  بتاريخ 14 من ربيع الآخر 1448هـ الموافق 25/9 / 2026م

خطبة الجمعة بتاريخ 14 من ربيع الآخر 1448هـ الموافق 25/9 / 2026م

24 سبتمبر 2026

خطبة الجمعة المذاعة

بتاريخ 14 من ربيع الآخر 1448هـ الموافق 25/9 / 2026م

حَصَانَةُ الْفِكْرِ

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ النِّعَمِ وَأَجَلِّ الْمِنَنِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ وَهَبَهُ عَقْلًا يُمَيِّزُ وَيَفْهَمُ بِهِ، يَعْرِفُ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَالنَّافِعَ مِنَ الضَّارِّ؛ فَالْعَقْلُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَمَوْضِعُ التَّشْرِيفِ، وَبِهِ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ، وَبِهِ يَزِنُ مَا يَسْمَعُ وَمَا يَرَى، وَلِذَلِكَ كَانَ حِفْظُ الْعَقْلِ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ الَّتِي جَاءَ هَذَا الدِّينُ بِحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا، فَلَا تَسْتَقِيمُ لِلْإِنْسَانِ عِبَادَةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ عِلْمٌ إِذَا فَسَدَ عَقْلُهُ، وَلَا يَأْمَنُ عَلَى دِينِهِ إِذَا جَعَلَ عَقْلَهُ نَهْبًا لِكُلِّ مُتَحَدِّثٍ، وَعُرْضَةً لِكُلِّ شُبْهَةٍ، وَمُسْتَوْدَعًا لِكُلِّ مَا تَبُثُّهُ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الزَّمَانِ، الَّذِي تَتَدَفَّقُ فِيهِ الْآرَاءُ وَالْمَعْلُومَاتُ، وَتَنْهَمِرُ فِيهِ الْأَفْكَارُ وَالتَّصَوُّرَاتُ، أَنْ يَعْرِفَ مَصَادِرَ التَّلَقِّي، فَيَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَأْخُذُ، وَمِمَّنْ يَأْخُذُ؛ إِذِ الْمُؤْمِنُ لَيْسَ مُسْتَوْدَعًا مَفْتُوحًا لِكُلِّ مَا يَرِدُ إِلَيْهِ، وَلَا كُلُّ مَا يَسْمَعُهُ يَكُونُ مَادَّةً لِقَنَاعَتِهِ، وَلَا كُلُّ مَا تَدَاوَلَهُ النَّاسُ يُصْبِحُ حَقِيقَةً مُسَلَّمَةً عِنْدَهُ؛ بَلْ يُدْرِكُ أَنَّ لِلْمَعْرِفَةِ أَبْوَابًا، وَأَنَّ لِلْكَلِمَةِ وَزْنًا، وَأَنَّ مَصَادِرَ التَّلَقِّي لَهَا أَثَرٌ بَالِغٌ فِي سَلَامَةِ الْفِكْرِ وَاسْتِقَامَةِ السُّلُوكِ، وَقَدْ أَرْشَدَ الْقُرْآنُ إِلَى هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء: 36]. فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ مَجْهُولٍ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَحُقُوقِهِمْ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ مَجْهُولًا خَلْفَ شَاشَةٍ مَرْجِعًا لَهُ فِي دِينِهِ وَعَقِيدَتِهِ وَفِكْرِهِ؟

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنَ الْحَصَانَةِ الْفِكْرِيَّةِ أَنْ نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا كَيْفَ يَتَلَقَّوْنَ، قَبْلَ أَنْ نُعَلِّمَهُمْ مَاذَا يَتَلَقَّوْنَ؛ وَأَنْ نُرَبِّيَهُمْ عَلَى سُؤَالِ الْمَصْدَرِ، وَمَعْرِفَةِ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالدَّعْوَى، وَبَيْنَ النَّصِيحَةِ وَالتَّأْثِيرِ، وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ لَهُمُ الْخَيْرَ وَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَمِيلَ عُقُولَهُمْ إِلَى مَا يُرِيدُ، فَالْعَقْلُ الَّذِي لَا يَحْرُسُ مَدَاخِلَهُ، يَسْهُلُ أَنْ تُزْرَعَ فِيهِ أَفْكَارٌ لَمْ يَخْتَرْهَا، وَأَنْ تَتَكَوَّنَ فِيهِ قَنَاعَاتٌ لَمْ يَتَأَمَّلْهَا، وَأَنْ يُقَادَ إِلَى مَوَاقِفَ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ وَصَلَ إِلَيْهَا، وَهُنَا تَظْهَرُ مَسْؤُولِيَّةُ الْأُسْرَةِ وَالْمُرَبِّي وَالْمُعَلِّمِ وَالدَّاعِيَةِ: أَنْ نَغْرِسَ فِي أَوْلَادِنَا وَعْيَ التَّلَقِّي، وَبَصِيرَةَ الِاخْتِيَارِ، وَاحْتِرَامَ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ؛ حَتَّى لَا يَكُونُوا أَسْرَى لِمَا يَكْثُرُ ظُهُورُهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِعْيَارُهُمُ الْحَقَّ وَالدَّلِيلَ؛ وَقَدْ أَرْشَدَ الْقُرْآنُ إِلَى هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].

أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ: إِنَّ الدِّينَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ مُتَحَدِّثٍ، وَالْعُقُولَ أَعَزُّ مِنْ أَنْ تُسَلَّمَ لِكُلِّ مُؤَثِّرٍ، وَالشَّبَابُ أَمَانَةٌ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نَتْرُكَهُمْ نَهْبًا لِمَنْ يُتْقِنُ صِنَاعَةَ التَّأْثِيرِ، فَعَلَيْنَا الرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الثِّقَاتِ الرَّاسِخِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل: 43]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا].

عِبَادَ اللهِ: لَيْسَ كُلُّ مَنِ امْتَلَكَ مِنَصَّةً امْتَلَكَ عِلْمًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ جَمَعَ الْمُتَابِعِينَ صَارَ مَرْجِعًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَحْسَنَ الْعِبَارَةَ أَصَابَ الحَقَّ، وَمِنْ هُنَا تَبْدَأُ حَصَانَةُ الْفِكْرِ: بَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كَثْرَةَ التَّكْرَارِ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى الصِّحَّةِ، وَكَثْرَةَ الْمُتَابِعِينَ لَيْسَتْ شَهَادَةً بِالْعِلْمِ، وَقُوَّةَ التَّأْثِيرِ لَيْسَتْ بُرْهَانًا عَلَى الْحَقِّ، فَإِذَا اسْتَقَامَ لِلْإِنْسَانِ مِيزَانُ التَّثَبُّتِ، لَمْ يَكُنْ سَهْلَ الِانْقِيَادِ لِكُلِّ شُبْهَةٍ، وَلَا سَرِيعَ التَّأَثُّرِ بِكُلِّ صَيْحَةٍ، وَلَا عُرْضَةً لِأَنْ تَسْتَوْلِيَ عَلَى عَقْلِهِ فِكْرَةٌ لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا صِيغَتْ بِأُسْلُوبٍ مُؤَثِّرٍ، وَهَكَذَا يَكُونُ التَّثَبُّتُ حَصَانَةً لِلْفِكْرِ وَوِقَايَةً مِنَ الِانْحِرَافِ خَلْفَ كُلِّ نَاعِقٍ، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهُ وَقَاهُ، وَعَصَمَهُ وَآوَاهُ، قَالَ تَعَالَى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29].

أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ: إِذَا كَانَتِ الْفِتَنُ قَدْ كَثُرَتْ أَبْوَابُهَا، وَتَعَدَّدَتْ مَصَادِرُهَا، وَوَصَلَتْ إِلَى أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا مِنْ حَيْثُ نَشْعُرُ أَوْ لَا نَشْعُرُ، فَالْوَاجِبُ أَنْ نَبْنِيَ فِي نُفُوسِهِمْ مَنَاعَةً تَرُدُّ الْبَاطِلَ، وَبَصِيرَةً تُمَيِّزُ الْحَقَّ، وَشَخْصِيَّةً لَا تَنْقَادُ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهَا.

وَأَوَّلُ مَا نُحَصِّنُ بِهِ أَنْفُسَنَا وَأَوْلَادَنَا وَمُجْتَمَعَنَا: أَنْ نُحْكِمَ الصِّلَةَ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْقُرْآنُ كِتَابُ هِدَايَةٍ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]. وَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ الْمُبَيِّنَةُ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ إِلَّا إِذَا اسْتَوْعَبْنَا تِلْكَ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ.

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا نَغْرِسُهُ فِي نُفُوسِهِمْ: وَسَطِيَّةُ الْإِسْلَامِ وَسَمَاحَتُهُ؛ قَالَ تَعَالَى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ].

عِبَادَ اللهِ: وَمِنَ الْحَصَانَةِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا أَوْلَادُنَا أَنْ نُعَلِّمَهُمُ التَّثَبُّتَ؛ فَلَا يَقْبَلُونَ كُلَّ مَا يَسْمَعُونَ، وَلَا يَنْقُلُونَ كُلَّ مَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجْعَلُونَ كَثْرَةَ انْتِشَارِ الْخَبَرِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ].

وَهُنَا تَأْتِي مَسْؤُولِيَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ نُحَذِّرَ أَبْنَاءَنَا مِنْ مَجْهُولِي الْهُوِيَّةِ وَالْمَصَادِرِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ طَرَقَ بَابَكَ فِي الْعَالَمِ الِافْتِرَاضِيِّ صَارَ صَدِيقًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَحْسَنَ مُخَاطَبَتَكَ يَكُونُ نَاصِحًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْغَيْرَةَ عَلَى الدِّينِ يُرِيدُ بِكَ الْخَيْرَ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنَّ مَنْ يَسْتَدْرِجُهُمْ إِلَى الْعُزْلَةِ عَنْ أَهْلِهِمْ، أَوْ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى مُجْتَمَعِهِمْ، أَوْ يَمْلَأُ نُفُوسَهُمْ بِالْكَرَاهِيَةِ، يُحْذَرُ مِنْ كَلَامِهِ وَلَا يُنْسَاقُ وَرَاءَهُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْوِقَايَةِ مِنَ الِانْحِرَافِ: حُسْنَ اسْتِثْمَارِ أَوْقَاتِ الْأَبْنَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»، [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا]، وَالْفَرَاغُ إِذَا لَمْ يُمْلَأْ بِالنَّافِعِ قَدْ يَكُونُ وَسِيلَةً لِلضَّارِّ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ لَا بُدَّ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ، فَامْلَؤُوا أَوْقَاتَ أَوْلَادِكُمْ بِالْقُرْآنِ، وَالْعِلْمِ، وَالرِّيَاضَةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَالْأَنْشِطَةِ النَّافِعَةِ، وَالصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ، وَلَا تَتْرُكُوهُمْ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً وَحْدَهُمْ أَمَامَ شَاشَةٍ لَا تَعْرِفُونَ مَاذَا تُقَدِّمُ لَهُمْ، وَمَنْ يُقَدِّمُ لَهُمْ، وَمَا الَّذِي يَتَرَسَّبُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَاحْفَظْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَعُقُولَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمُ الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْفَهْمَ السَّلِيمَ، وَالصُّحْبَةَ الصَّالِحَةَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا ارْفَعْ عَنَّا الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ، وَالضَّرَّاءَ وَالْبَأْسَاءَ، اللَّهُمَّ احْفَظِ الْكُوَيْتَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.         

لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة

معرض الصور

القائمة البريدية

انضم للقائمة البريدية للموقع ليصلك كل جديد

جميع الحقوق محفوظه لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت