خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 11 من شعبان 1447هـ الموافق 30 /1 / 2026م
عِبَادَةُ التَّفَكُّرِ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ التَّأَمُّلَ وَالتَّفَكُّرَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ الْجَلِيلَةِ، وَاَلَّتِي رُبَّمَا غَابَتْ أَوْ تَلَاشَتْ مَعَ طُغْيَانِ الْحَيَاةِ الْمَادِّيَّةِ وَسَيْلِ الْوَسَائِلِ التِّقْنِيَّةِ، فَأَصْبَحَ الذِّهْنُ مَشْغُولًا بِلَا شَيْءٍ، مُلْتَهِيًا بِلَا فَائِدَةٍ، وَعِبَادَةُ التَّفَكُّرِ مِمَّا يُعِيْنُ الْمَرْءَ عَلَى انْبِعَاثِ نَفْسِهِ وَحَيَاتِهَا، وَنَقَاءِ رُوحِهِ وَطَهَارَتِهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ التَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَآلائِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي» قُلْتُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ( [آل عمران:190]» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَدَبَنَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّمَعُّنِ، وَأَثْنَى عَلَى عِبَادِهِ الْمُتَفَكِّرِينَ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ كَرِيمٍ: ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( [آل عمران:190-191] وَنَعَى عَلَى الْغَافِلِينَ إِعْرَاضَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ وَابْتِعَادَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَنْقَبَةِ الْجَلِيلَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ( [يوسف:105] فَالتَّفَكُّرُ عِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَدَرْبُ الْأَتْقِيَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ أَفْضَلَ عِبَادَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؟ قَالَتْ: «التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: قَالَ: (رَكْعَتَانِ مُقْتَصَدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ بِلَا قَلْبٍ) وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (اسْتَعِينُوا عَلَى الْكَلَامِ بِالصَّمْتِ، وَعَلَى الِاسْتِنْبَاطِ بِالْفِكْرِ)، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إذَا الْمَرْءُ كَانَتْ لَهُ فِكْرَةٌ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةٌ).
أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:
إِنَّ التَّفَكُّرَ هُوَ إِعْمَالُ الْعَقْل بِالتَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةِ، وَكَدُّ الذِّهْنِ بِالتَّبَصُّرِ وَالتَّمَعُّنِ فِي أَسْرَارِ آيَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، فَيَرَى الْإِنْسَانُ هَذَا الْكَوْنَ الفَسِيحَ، وَكَيْف يَجْرِي عَلَى نِظَامٍ مُحْكَمٍ وَقَانُونٍ مُتْقَنٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( [يس:37-40] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: )وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( [الرعد:3] وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ تَدَبَّرَ آيَاتِهِ وَوَقَفَ عَلَى هِدَايَاتِهِ وَإِشْرَاقَاتِهِ، فَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ رَبَّى النَّبِيُّ r صَحَابَتَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى عِبَادَةِ التَّفَكُّرِ، وَشَحَذَ أَذْهَانَهُمْ إِلَى التَّأَمُّلِ وَالتَّبَصُّرِ، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ، فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( [يس:38]» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ - أَيْ: لَا تَزْدَحِمُونَ - فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا؛ فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَالَ: «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَحْوَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ مَا يُذَكِّرُ بِالْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَالْعَاقِلُ النَّابِهُ الَّذِي أَشْعَلَ فَتِيلَ التَّفَكُّرِ مِنْ كُلِّ مَا يَرَى وَيُشَاهِدُ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَهُ الحَمْدُ الحَسَنُ وَالثَّنَاءُ الجَمِيلُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصحبهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ؛ وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ أَمْثَلُ طَرِيقٍ وَأَقْوَمُ سَبِيلٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ صُوَرِ التَّفَكُّرِ الْمَحْمُودِ: التَّفَكُّرَ فِي حَالِ الدُّنْيَا وَسُرْعَةِ زَوَالِهَا، وَتَقَلُّبِ أَحْدَاثِهَا وَتَدَاوُلِ أَيَّامِهَا، وَالتَّمَعُّنَ فِي حَالِ الْآخِرَةِ وَإِقْبَالِهَا وَدَوَامِهَا، وَمَتَى ارْتَسَم هَذَا فِي مُخَيِّلَةِ الْعَبْدِ اتَّسَم بِالْهِمَّةِ وَالْيَقَظَةِ، وَابْتَعَدَ عَنِ وَصْفِ الْغَفْلَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ( [الروم:6-7] فَلَمَّا جَهِلَ أَكْثَرُ النَّاسِ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا آثَرُوا مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِمْ وَمَبْلَغَ عِلْمِهِمْ، وَمُنْتَهَى آمَالِهِمْ، وَأَقْصَى غَايَاتِهِمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ؛ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا! فَقَالَ: «يَا عُمَرُ! مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَلِيْ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا؛ إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَومٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ].
أَيُّهَا المُبَارَكُونَ:
إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ التَّفَكُّرِ أَنْ يَتَمَعَّنَ الْإِنْسَانُ فِي مَآبِهِ وَمَآلِهِ، فَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ التَّفَكُّرَ فِي أَهْوَالِ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَبَكَى، حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: «يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ].
اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ دِينَكَ وِكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَوَفِّقِ - اللَّهُمَّ - أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة